محمد بن جرير الطبري

191

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ( 108 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " يستخفون من الناس " ، يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم ، ما أتَوْا من الخيانة ، وركبوا من العار والمعصية ( 1 ) = " من الناس " ، الذين لا يقدرون لهم على شيء ، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم ، ( 2 ) وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه ، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة = " ولا يستخفون من الله " الذي هو مطلع عليهم ، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ، وبيده العقاب والنَّكال وتعجيل العذاب ، وهو أحق أن يُستحى منه من غيره ، وأولى أن يعظَّم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه = " وهو معهم " ، يعني : والله شاهدهم = " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " ، يقول : حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول ، فيغيِّرونه عن وجهه ، ويكذبون فيه . * * * وقد بينا معنى " التبييت " في غير هذا الموضع ، وأنه كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا . ( 3 ) وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم : التبديل ، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل : ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبوعة في الموضعين : " ما أوتوا " ، والصواب من المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة في الموضعين : " ما أوتوا " ، والصواب من المخطوطة . ( 3 ) انظر ما سلف 8 : 562 ، 563 . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " . . . بن جرير " ، والصواب ما أثبت ، والأسود بن عامر بن جوين الطائي ، أبو عامر بن جوين الطائي ، الذي نزل به امرؤ القيس ( الأغاني 8 : 90 ، 95 ) ، وقد ذكرهما ابن دريد في الاشتقاق : 233 وقال : " كانا سيدين رئيسين " ، وذكرهما ابن حزم في الجمهرة : 379 ، وقال في الأسود بن عامر : " شاعر " ، ثم قال : " فولد الأسود هذا : قبيصة بن الأسود ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .